القرطبي
107
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
أبا جهل لا يؤمن بتفسير القرآن وبيانه . وقيل : أي ( كلا ) لا يصلون ولا يزكون يريد كفار مكة . " بل تحبون " أي بل تحبون يا كفار أهل مكة " العاجلة " أي الدار الدنيا والحياة فيها " وتذرون " أي تدعون " الآخرة " والعمل لها . وفي بعض التفسير قال : الآخرة الجنة . وقرأ أهل المدينة والكوفيون " بل تحبون " " وتذرون " بالتاء فيهما على الخطاب واختاره أبو عبيد ، قال : ولولا الكراهة لخلاف هؤلاء القراء لقرأتها بالياء ، لذكر الانسان قبل ذلك . الباقون بالياء على الخبر ، وهو اختيار أبي حاتم ، فمن قرأ بالياء فردا على قوله تعالى : " ينبأ الانسان " [ القيامة : 13 ] وهو بمعنى الناس . ومن قرأ بالتاء فعلى أنه واجههم بالتقريع ، لان ذلك أبلغ في المقصود ، نظيره : " إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا " ( 1 ) [ الانسان : 27 ] . قوله تعالى : وجوه يومئذ ناضرة ( 22 ) إلى ربها ناظرة ( 23 ) ووجوه يومئذ باسرة ( 24 ) تظن أن يفعل بها فاقرة ( 25 ) قوله تعالى : ( وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة ) الأول من النضرة التي هي الحسن والنعمة . والثاني من النظر أي وجوه المؤمنين مشرقة حسنة ناعمة ، يقال : نضرهم الله ينضرهم نضرة ونضارة وهو الاشراق والعيش والغنى ، ومنه الحديث ( نضر ( 2 ) الله امرأ سمع مقالتي فوعاها ) . " إلى ربها " إلى خالقها ومالكها ( ناظرة ) أي تنظر إلى ربها على هذا جمهور العلماء . وفي الباب حديث صهيب خرجه مسلم وقد مضى في ( يونس ) عند قوله تعالى : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) ( 3 ) . وكان ابن عمر يقول : أكرم أهل الجنة على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية ، ثم تلا هذه الآية : " وجوه يومئذ ناضرة . إلى ربها ناظرة " وروى يزيد النحوي عن عكرمة قال : تنظر إلى ربها نظرا . وكان الحسن يقول : نضرت وجوههم ونظروا إلى ربهم .
--> ( 1 ) راجع ص 148 من هذا الجزء . ( 2 ) يروى الحديث بالتخفيف والتشديد من النضارة وهي في الأصل حسن الوجه والبريق . ( 3 ) راجع ج 8 ص 330